حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
284
شاهنامه ( الشاهنامه )
لم يبق في هذه المملكة الفسيحة ضيعة معمورة ولا بلدة مسكونة . فلا تغفل عن تصاريف الزمان وبوائق الحدثان . والحظ حصولك في هذا الفضاء وسعته ، وحصولنا في ضيق هذا الحصار وشدّته . ثم اعلم أنى مستقر في هذه المدينة وهي جَنّتى ، وقد شيدتها حتى صارت دون الحطوب جُنتى ، وهي دار ملكي ، ومستقرّ سرير سلطنتى ، وفيها زرعى وحصادى وعدّتى وعتادى . وأما أنت فنازل تحت المساء في هذه الصحراء . وزمان الصيف قد انقضى . وغدا يهجم الشتاء وتتتابع الأنداء حتى تجمد الأكف على الرماح ومقابض الصفاح . وإن كنت تخال أنك تأخذ ممالك الصين ، وتطبق السماء على الأرض ، وتقبض علىّ وتأسرنى فهذا خيال محال . فإنه ذا التقت حلقنا البطان واشتدّ الأمر حلّقت شهابا في أعنان السماء ، وركبت بحر كيمال ، وعبرت إلى القلعة المعروفة بكنك دِز ، وخليت بينك وبين هذه الممالك . حتى إذا علمت أن السعادة قد أقبلت علىّ والزمان قد اعتذر الىّ نزلت وحشدت جنود البر والبحر ، وانتقمت منك . وإن أنت أخرجت الخلاف من رأسك ، وأقصرت عن شماسك فتحت لك أبواب الخزائن التي ضن ّ بها تور على إيرج ، وألقيت إليك مقاليدها ، ثم كنت لك في كل حادث عونا وظهيرا ، ولم أسمك إلا ملكا كبيرا . وإن لم تقبل ما ذكرت فافعل ما تشاء . إجابة الملك كيخسرو على رسالة جهن بن أفراسياب قال : فلما فرغ جهن من أداء الرسالة تبسم الملك كيخسرو وقال له : قل لأفراسياب : أما شكرك على انتظام أحوال مملكتنا واتساق أسباب دولتنا فإن ذلك من فضل اللّه الذي آتانا ذلك مثنى وموحدا ، وإنا لنرجو فوق ذلك مصعدا . ثم إنك ذو بيان سحار ولسان غرّار ، مع أنك غير طاهر القلب ، ولا ناصح الجيب . وكل من كان يتحلى بمكارم الخلال فينبغي أن يكون الفعال منه أحسن من المقال . ولم يستطع أفريدون أن يصير نجما في السماء ولا أن يعلو شبرا في الهواء . وأنت تزعم أنك تصير في السماء نجما . وتطهير في الجوّ سعيا ، ولست تستحى من هذا الكلام . وليس يخفى على الناقد البصير والعالم الخبير هذه الأقاويل المموّهة والأكاذيب المزخرفة . ثم ذكر صنيعه بأمه بعد قتل أبيه سياوخش من ضربها بالسياط طلبا لأن تسقط وهي حامل به ، مع غير ذلك مما سبق ذكره . وذكر أيضا تسليمه إلى الرعاة مع ما اتصل به من سوء معاملته إياه ، على ما سبق شرحه . ثم قال : ولم تزل من عهد منوجهر إلى هذه الغاية سيئ الظن خبيث الباطن وقد ورثت هذا الخبث من تور . فقتلت الملك نوذر وقتلت أخاك إغريرث . وأما حوالتك فعلك . بسياوخش على تسويل الشيطان وتغريره فإن الضحاك وجمشيذ لما أيسا من الحياة تعللا أيضا بهذه العلة فلم ينفعهما ذلك